الحمد لله خيرٌ مُبْتَداً، وخيرٌ مُنْتَهى؛ جَعَلَ رُبَّا ﷺ الدنيا مَزْرَعَةً للآخِرَةِ؛ وما يَزْرَعُهُ المسلم مِن خيرٍ بِإِخْلاَصِ في الْحَيَاةِ سَوْفَ يَحْصِدُه - برحمة الله - بَعْدَ الممات.
والصلاة والسلام على رسولنا محمدٍ الذي حثُّ أُمَّتْهُ على الْمُداوَمَةِ في زراعة الخيرِ طَوَالِ الْعُمَرِ، حَتَّى قَالَ: (إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وفي يَدِ أُحِدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقَوْمَ حَتَّى يَغْرِسَها فَلْيَغْرِسَها)؛ فَإِزَرَعَ الْخَيْرَ أَيُّهَا المسلم، وَإِزرع وازرع .. ولا تمل فيوم الحصاد حصاد ولا عمل.
أما بعد:
فَإِنَّ مِنْ خَيْرِ مَا يُقَدِّمُهُ المسلم في ذُنْبِهِ لآخِرَتِهِ وَقْفًا يُحَبَّسُ أَصْلُهُ وَيُسَبَّلُ مَنْفَعَتُهُ خَالِصَيْنِ لِوَجْهِ اللهِ؛ فَيَجْري عَلَيْهِ أَجْرُهُ في حَيَاتِهِ، وَيَسْتَمِرُّ تَدَفُّقُ أُجُورِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ بِفَضْلِ اللهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلاَ تِجَارَةَ رَابِحَةَ دَائِمًا إِلَّا التِّجَارَةَ مَعَ اللهِ بِالطَّاعَاتِ، وَخَيْرُ تِجَارَةٍ تَرْبَحُ مَرَّتَيْنِ هِيَ الْأَوْقَافُ؛ رِبْحٌ في الدُّنْيَا وَرِبْحٌ في الْآخِرَةِ.
وَيَقْدُرُ مَا يتسابق المسلمون اليومَ إلى الْمُبَادَرَةِ في الْإِقْبَالِ عَلَى وَقْفِ أُصُولٍ مُدِرَّةٍ ذَاتِ رِبْحٍ عَظِيمٍ تَتَّقِي بِهِ سُبُلَ الخَيْرِ في بِلادِ الإِسْلامِ. تَحْتَاجُ صِنَاعَةُ الْأَوْقَافِ إلى دِرَاسَاتٍ وَأَبْحَاثٍ فِقْهِيَّةٍ وَتَارِيخِيَّةٍ وَتَشْرِيعِيَّةٍ؛ لِتُوَائِمَ سُرْعَةَ تَطَوُّرِ الْأَوْقَافِ وَاتِّسَاعَ رُقْعَتِهَا وَتَوْعِهَا وَالْمُسْتَجِدَّاتِ فِيهَا، وكذلك دراسة تاريخها ووثائقها، كما أنَّ الحاجة مَاسَّةً للدراساتِ التنظيمِيَّةِ لها وللنظارة عليها، واستحداثِ وسائلِ رقابِيَّةٍ عليها تضمنُ عَدمَ التفريطِ بها أو حصولِ تجاوزاتِ مقصودةٍ أو غير مقصودةٍ فيها، وكذلك الاستفادةُ مِن وسائلِ التقنيَّةِ الحديثةِ التي أُحدثَتْ انفجاراتٍ هائلةً في جمعِ الْمَعْلُومَاتِ وَتَيْسِيرِ العملِ الخيرِيَّ وَحَوْكَمَتِهِ وَتَحْقِيقِ الشَّفَافِيَةِ لَهُ وَفِيهِ.
وَلِكُلُّ مَا سَبَقَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْخَيْرِيَّةِ بَرَزَتْ لَدَى أَوْقَافِ الشيخ سليمان بـن عبدالعزيز الرجحـي - جـزاه اللـه خـير الجـزاء - فكـرة إنشـاء جهـة مُتَخَصَّصـة بالدراسـات والبحـوث الوقفيـة، وسرعـان مـا أنشـأت مؤسسـة سـاعي لتطويـر الأوقـاف، ولتشـجيع الدراسـات ولجعلهـا مواكبـة لتزايـد البحـوث العلميـة الرصينـة أصـدرت مؤسسـة سـاعي (مجلـة وقـف)، وهـي مجلـة علميـة محكمـة، وهـا هـو ذا العـدد السـادس منهـا يصـدر محتوياتـا عَلـى أبحـاث ودراسـات وملخصـات منوعـة.
ويـأتي هـذا العـدد المبـارك مـن مجلـة (وقـف) امتـدادا لِمـا سـبقه مـن أعـداد، ومنسـجماً مـع مـا خططـت لـه هيئـة تحريـر المجلـة مـن اصطفـاء أجـود الدراسـات والبحـاث التـي اجتـازت معاييـر التحكيـم العلمـي المعتـادة في هـذه المجلـة وغيرهـا مـن المجلـات العلميـة الرصينـة، والالتـزام بتنويـع موضوعاتهـا؛ ليجـد فيهـا القـارئ مـا سـمّت إليهـا همّتـه وحامـت عليهـا نَهَمَتـه التـي تتـوازى وَرَاءَهَا نَهْمَةَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
وقد اشتمل هذا العدد على الأبحاث التالية:
- تمويل ريادة الأعمال الحلال عن طريق الوقف الجريء.
- أوقاف جامع عودة سدير: وثيقة حصر وإثبات.
- الوظائف الوقفية في المدينة المنورة عام 1055هـ/1645م.
- المرافق العامة الوقفية دراسة فقهية قانونية تأصيلية مقارنة.
ومجلـة (وقف) مُنْفَذٌ للباحثين يَصِلُونَ مـن خلالهـا بأقلامهـم إلى القـراء عامـة، وإلى المختصين بشؤون الأوقـاف مـن باحثين ومسـؤولين وصُنـاع قـرارات وواقفـين ونظـار؛ ولذلـك تنتظـر هيئـة تحريـر المجلـة تواصـل الباحثـين والمهتمـين بالأوقـاف معهـا ومـع مؤسسـة سـاعي وإدارتهـا التنفيذيـة عبـر وسـائل التواصـل الموضـحة في المجلـة؛ وذلـك للتعـاون مـع المجلـة والمؤسسـة في تحقيـق مـا يهـدف إليهِ وقْفُ الشـيخ سليمان بـن عبدالعزيـز الراجحـي مـن الرقـي بالأوقـاف الإسلاميـة بحـول اللـه وقوّتـه وعونـه وتوفيقـه؛ تأصيـلاً وتوثيقـاً وتطويـراً، وفي خدمـة الوقـف علميـاً وتقنيـاً وتنظيمـاً وتعريفاً به وبتقديم الخبرات والمشورة النافعة بإذن الله، وترحّب بدراسات العلماء وبحوثهم حين يرغبون في نشرها نشراً علمياً بعد تحكيمها من فاحصين معتبرين بعون الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن ينفع بما في هذا العدد وما سبّقه من أبحاث ودراسات، وأن يجعل ذلك في موازين حسنات الباحثين والمحكمين والناشرين، وأن يُعظم المثوبة والأجر للواقف وذريّته وأهله وأرحامه، ولكلّ من يعمل فيه، وأن يُشركنا وإياكم معهم في الثواب والأجر.
والحمد لله الذي بثنائة بدئ الكلام ومثل ذلك يختم
وعلى النبي وآله وصحبه طرا صلى وآخرا وأسلم
رئيس هيئة التحرير
أ.د. صالح بن حسين العايد