الحمد لله الذي شَرَعَ شريعةَ الإسلام لكلِ الأنامِ، وَكَمَّلَها بالفرائضِ والأحكامِ، وَحَلَّاها بالفضائلِ والقُرُباتِ والأخلاقِ الحميدةِ والآدابِ؛ ما مِنْ خيرٍ إلا حَثَّتِ الشريعةُ عليه، وجعلتْهُ سُلَّمًا لِبُلوغِ أعلى الجنانِ برحمةِ الرحيمِ الكريمِ المَنَّانِ.
والصلاةُ والسلام على الرسولِ المُرْسَلِ إلى جميعِ الأنامِ رحمةً وهدايةً لِمَنْ ألقى السمعَ وهو شهيدٌ، أتى بأكملِ شريعةٍ؛ لأنَّه خاتمُ المرسلين للعالمين؛ فلم يأمرْ إلا بخير، ولم يَنْهَ إلا عن شرٍّ، قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ في كتابه (مدارج السالكين): «وَلِهَذا قَالَ لِبَعْضِ الأعرابِ -وقد أسلمَ لَمَّا عَرَفَ دَعْوَتَهُ-: عن أَيِّ شَيْءٍ عَرَفْتَ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَمَرَ بِشَيْءٍ، فَقَالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ نَهَى عنهُ، ولا نَهَى عن شَيْءٍ، فَقَالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ أَمَرَ بهِ، ولا أَحَلَّ شَيْئًا، فَقَالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ حَرَّمَهُ، ولا حَرَّمَ شَيْئًا، فَقَالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ أَبَاحَهُ».
أَمَا بعدُ:
فَإِنَّ مِنْ مَحَاسِنِ الإسلامِ الأوقافَ بِرًّا وَأَجْرًا وَمَنْفَعَةً؛ فَمُنْذُ أَوَّلِ وَقْفٍ فِي عُمُرِ الإسلامِ وَقْفِ عُمَرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه أَرْضَهُ التي أَصَابَهَا فِي خَيْبَرَ، وَاسْتَأْمَرَ بِشَأْنِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهَا، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ ﷺ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ. مُنْذُ ذلك الوقفِ والأوقافُ الإسلاميةُ تَزْدَادُ، وَيَتَسَابَقُ المسلمونَ مُتَنَافِسِينَ فِي مَبَادِئِهَا، وكانَ شِعَارُ الصحابةِ رضي الله عنهم ما رُوِيَ عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أَنَّه قَالَ: «لَمْ نَرَ خَيْرًا لِلْمَيِّتِ ولا لِلْحَيِّ مِنْ هَذِهِ الْحُبُسِ الْمَوْقُوفَةِ؛ أَمَّا الْمَيِّتُ فَيَجْرِي أَجْرُهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْحَيُّ فَتُحْسَنُ عَلَيْهِ؛ ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ، ولا تُسْتَهْلَكُ»، وبفضلِ الله تعالى ازدهَرَتِ الأوقافُ فِي العُقُودِ الأخيرة، وزادَ الإقبالُ عليها من الأثرياءِ ومن متوسطي الحالِ، بل حتَّى مِمَّن هم دونهم، وازدادَ الاهتمامُ بالأبحاثِ والدراساتِ عن الأوقافِ؛ لِتُوَاكِبَ النهضةَ العلميةَ النهضةَ الوقفيةَ؛ فَنَشَأَتْ مراكزُ علميةٌ ومؤسساتٌ ذاتُ عنايةٍ بالأوقافِ وأبحاثِها والدراساتِ الخاصَّةِ بها، وتأتي فِي طليعة تلك المؤسساتِ المتخصصةِ مؤسسةُ ساعيِ لتطوير الأوقافِ؛ وهي إحدى مؤسسات وقف الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي، مختصةً فِي خدمةِ الأوقافِ علميًا وخدمةِ القائمين عليها والمستفيدين منها، وقد نشرت (ساعي) عددًا كبيرًا من الكتب والأبحاث والدراسات ذات الصلة بالأوقاف، استفاد منها بفضل الله تعالى كثيرٌ من المهتمين بالوقف وشؤونه وأبحاثه، وتوجَّت (ساعي) جهودها المباركة بإصدار مجلة متخصصة بأبحاث الوقف (مجلة وقف)، وقد صدرت منها أربعة أعداد، وهذا خامسها، وخُوِّضَتْ على أبحاث ودراسات وملخصات وأخبار فعاليات ومناشط ذات صلة بالأوقاف. ويأتي هذا العدد من مجلة (وقف) امتداداً لما سبقه من أعداد ومنسجماً مع ما خططته له هيئة تحرير المجلة من اصطفاء أجود الدراسات والأبحاث التي اجتازت التحكيم العلمي المعتاد في هذه المجلة وغيرها من المجلات العلمية الرصينة، حيث حوى العدد الخامس على الأبحاث التالية:
- مكانة الوثائق الوقفية .. وأثرها في كتابة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي.
- الوقف وتمكين المرأة اقتصادياً.
- مؤشرات الكفاءة المالية للمؤسسات الوقفية في المملكة العربية السعودية.
- الوثائق الوقفية في الرَّسِّ خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري .. كتّابها ومصارفها.
وتؤكد مجلة (وقف) - وهي تفتح صدرها للباحثين وأبحاثهم ودراساتهم في شؤون الأوقاف سواء أكانت أبحاثاً تاريخيةً أم تأصيليةً أم مبادرات وقفيةً أم دراسات لتجارب وأنظمة وتشريعات تخصّ الأوقاف في الدول أم مقترحات لبرامج ومشروعات وقفية أم غيرها - تؤكد على أنها كما تلتزم بالتحكيم العلمي تحرص غاية الحرص على سرعة النشر لكل ما يجتاز التحكيم بإذن الله وعونه، وتكرّر التأكيد على أنه يشرفها تواصل المهتمين بالأوقاف مع هيئة تحريرها ومع مؤسسة ساعي وإدارتها التنفيذية عبر وسائل التواصل الموضحة في المجلة؛ وذلك للتعاون مع المجلة والمؤسسة في تحقيق ما يهدف إليه وقف الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي من الرقي بالأوقاف الإسلامية بحول الله وقوّته وعونه وتوفيقه ومن خدمته علمياً بالأبحاث الرصينة والدراسات النافعة.
نسأل الله تعالى أن ينفع بما في هذا العدد وما سبقه من أبحاث ودراسات، وأن يجعل ذلك في موازين حسنات الباحثين والمحكمين والناشرين، وأن يُعْظِمَ المثوبة والأجر لصاحب الوقف ولذريته وأهله وأرحامه ولكل من يعمل فيه، وأن يُشْرِكَنَا وإياكم معهم في الثواب والأجر.
والحمد لله ختاماً بعد فاتحة ما لاح نجم وغَنَّتِ الطيور في فَنَنٍ
وصلى الله وسلم على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس هيئة التحرير
أ.د. صالح بن حسين العايد